الأسبوع العربيخاطرةمقالاتمنوعات

حين صنعنا النجم… ثم صنعنا غروره .

حين صنعنا النجم… ثم صنعنا غروره .
نعمة حسن / كتبت
في لحظة ما، من غير ما نحس، انقلب الميزان.
لم يعد الفنان يؤدي فنًا، بل صرنا نحن نؤدي له.
لم يعد النجم يقف على المسرح ليكسب احترام الجمهور، بل صار الجمهور يركض، يصرخ، يقفز، يتدافع، كأنه في طقس فقد فيه الإنسان كرامته طواعية.
السؤال المؤلم مش: إزاي النجم اتغيّر؟
السؤال الحقيقي: إزاي إحنا اتغيّرنا؟
من الذي أقنعنا أن إنسانًا، لمجرد أنه يغني أو يمثل، يستحق أن نطارده في الشوارع، ونصرخ بأسمه، ونمد أيدينا لنلمس صورته، ونقفز فوق بعضنا لنأخذ لقطة معه؟
من الذي سرق منا فكرة أن لكل إنسان قدره، وأن التقدير شيء، والانبطاح شيء آخر؟
زمان، لم تكن مهنة الممثل أو المغني محل تقديس.
لم تكن وضيعة، لكنها كانت مهنة.
صاحبها يُحترم إذا أتقن، ويُنتقد إذا أساء، ويُحاسب إذا تجاوز.
اليوم، لم نكتفِ بأن نرفع الفنان، بل نزعنا عنه المساءلة، وخلعنا عليه هالة أكبر من حجمه، ثم اندهشنا حين صدّق الوهم، وتكبر، واحتقر الجمهور، وتعامل من صنعوه كأنهم أقل شأنًا.
الحقيقة القاسية:
النجم لا يتكبر من تلقاء نفسه.
نحن من نعلّمه التكبر.
حين تجري خلفه، فأنت تخبره أنه فوقك.
حين تصرخ باسمه، فأنت تمنحه سلطة على صوتك.
حين تترك مكانك، وكرامتك، وتدافع الناس لتصل إليه، فأنت تقول له دون كلمات: أنت أهم مني.
وحين يفعل ذلك الآلاف، لا يعود غروره خطأ فرديًا، بل نتيجة طبيعية.
الأكثر إيلامًا هو المشهد نفسه:
فتاة تركض نحو المسرح، تقفز، تصرخ، تتشبث بالحواجز،
غير منتبهة لعيون الناس، ولا لاحترام نفسها، ولا لصورة أهلها، ولا لسؤال بسيط:
من هذا الذي يستحق أن أفقد توازني من أجله؟
أين الكبرياء؟
أين الوقار؟
أين الحد الفاصل بين الإعجاب والمهانة؟
ليس في الاحترام عيب،
لكن في الهوس سقوط.
وليس في التقدير خطيئة،
لكن في التنازل عن الكرامة جريمة بحق النفس.
الغريب أن الفنان الحقيقي لا يطلب هذا.
الفنان الواثق من موهبته لا يحتاج جمهورًا يركض، بل جمهورًا يفهم.
لكن السوق لا يصنع فنًا، بل يصنع نجومية فارغة،
والنجومية الفارغة لا تعيش إلا على صراخ، وتدافع، وقطيع.
حين نصنع نجمًا بهذه الطريقة، فنحن لا نرفعه فقط،
بل نُصغّر أنفسنا.
نحوّل الجمهور من شريك في النجاح إلى أداة،
ومن صاحب ذوق إلى تابع،
ومن إنسان إلى رقم.
والكارثة الأكبر؟
أن هذا النموذج يُصدَّر للأجيال الجديدة.
طفل يرى أمه أو أخته أو أباه يركض خلف نجم،
فيتعلم أن القيمة ليست في الفكر، ولا في العمل، ولا في الأخلاق،
بل في الشهرة فقط… أيًّا كان ثمنها.
هذا المسار لا ينتهي بخير.
لأنه لا يصنع فنًا محترمًا،
ولا مجتمعًا متزنًا،
ولا نجومًا حقيقيين.
الحل ليس في كراهية الفن، ولا في محاربة الفنان،
بل في إعادة الميزان إلى مكانه.
الفنان يؤدي،
والجمهور يقيّم.
الفنان يسعى لرضا الناس بفنه،
لا الناس تسعى لرضاه بكرامتها.
النجم حجمه الطبيعي هو إنسان موهوب… لا أكثر.
إذا أخطأ، يُنتقد.
إذا أساء، يُحاسب.
وإذا احترم جمهوره، يُحترم.
حين نضع حدودًا،
يرتقي الفن.
وحين نرفع أنفسنا،
يعود النجم إلى حجمه الصحيح.
لسنا ضد الفن،
نحن ضد أن نُختصر إلى جمهور يصرخ،
وضد أن نُربّى على الانبهار بدل الوعي.
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا قبل أن نركض خلف أي أحد:
هل يستحق أن أفقد كرامتي؟
لو كانت الإجابة لا،
فقد بدأ الإصلاح.
فلنعطي لكل إنسان مقداره حتى لا يضيع مقدارنا.
مع تحياتي ..

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى